ابن ميثم البحراني
210
شرح نهج البلاغة
الإيقاد ، ووجه الاستعارة الأولى أنّ مدار الإسلام ونظام أمور المسلمين في معاشهم ومعادهم على توحيد اللَّه ولزوم ما جاء به رسوله كما أنّ مدار الخيمة وقيامها بالعمد ، ووجه الثانية : أنّ توحيد اللَّه والاقتداء بما جاء به رسوله مستلزمان للهداية في طريقه من ظلمات الجهل قائدان إلى جواره في جنّات النعيم وهو المطلوب الحقيقيّ كما يهدى المصباح في الظلام على الطريق إلى المطلوب . وقوله : وخلاكم ذمّ . أي عداكم ، وهى كلمة تجري مجرى المثل : أي عند لزومكم لتوحيد اللَّه وسنّة رسوله لا ذمّ عليكم ، وأوّل من قالها قصير مولى جذيمة حين حثّ عمرو بن عديّ ابن أخت جذيمة على ثاره من الزباء . فقال له عمرو : كيف لي بذلك والزباء أمنع من عقاب الجوّ . فقال له قصير : اطلب الأمر وخلاك ذمّ . وقوله : ما لم تشردوا . استثناء من نفى لحوق الذمّ لهم : أي أوقدوا هذين المصباحين فما دمتم كذلك فلا ذمّ يلحقكم إلَّا أن تشردوا : أي تنفرّقوا عمّا أنتم عليه . ثمّ لمّا كان قد أمرهم بلزوم هذين الأمرين اللذين يدور عليهما التكليف بيّن لهم بقوله : حمل كلّ امرئ منكم . إلى قوله : الجهلة . أنّ التكليف بذلك يتفاوت فكلّ امرء من العلماء وأهل النباهة ومن هو بصدد العلم يحمل مجهوده وطاقته منه بالتنبيه على الأدلَّة وتعليمها ، وأمّا الجهّال كالنساء وأهل البادية والزنج ونحوهم من أهل الغباوة فتكليفهم دون ذلك وهو بالمحسوس من العبادات دون الأمر بالتفكَّر في مقاصدها . ثمّ ذكر وصف الرحمة للربّ لمناسبة ما سبق من ذكر التخفيف عن الجهلة في التكليف . ودين قويم : لا عوج فيه ولا زيغ عن القصد الحقيقيّ . وإمام عليم : إشارة إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم العالم بكيفيّة سلوك طريق اللَّه ومراحلها ومنازلها ، والهادي فيها بما يقتضيه حكمته من القول والعمل ، أو إلى نفسه لكونه وارث علمه وسالك مسالكه . وربّ : خبر مبتدأ محذوف وتقديره وذلك المكلَّف ربّ رحيم ، ويجوز أن يكون فاعلا لفعل يفسّره قوله : حمل وخفّف : أي يحملكم ربّ كقوله تعالى « يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ والْآصالِ